الشيخ محمد رشيد رضا

410

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليهم أن يكون خفيا ، وان يخلصوا في الحديث عنه نجيا ، لان الاستفادة منه بجذب القلوب إليهم ، وتسخير الناس لخدمتهم ، ورفعهم لمكانتهم ، انما تكون باظهاره لهم ، ليتعلق الرجاء فيهم . اه ببسط وإيضاح « 1 » * * * وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى الخ قال الأستاذ الامام لما بين اللّه تعالى في الآية التي قبل هذه وعده بالجزاء الحسن للذين يتناجون بالخير ، ويبتغون بنفع الناس مرضاة اللّه عز وجل ، أراد أن يبين في هذه الآية وعيده لأولئك الذين يتناجون بالشر ، ويبيتون ما يكيدون به للناس ، فهو يقول إن أولئك القوم مشاقون للرسول إذا كانوا يفعلون ما يفعلون بعد أن ظهرت لهم الهداية على لسانه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقامت عليهم الحجة بحقيقة ما جاء به ، وأما من لم تتبين لهم الهداية فلا يستحقون هذا الوعيد ، وهم متفاوتون فمن نظر منهم في الدليل فلم يظهر له الحق وبقي متوجها إلى طلبه بتكرار النظر والاستدلال مع الاخلاص فهو معذور غير مؤاخذ كالذي لم تبلغه الدعوة ، وعليه جمهور الأشاعرة . والمشاقة بعد تبين الهدى انما تكون عنادا وعصبية أو اتباعا لشهوة تفوت بهذه الهداية اه أقول المشاقة المعاداة مشتقة من شق العصا ، أو هي مفاعلة من الشق كأن كل واحد من المتعاديين يكون في شق غير الذي فيه الآخر كما قالوا . والكلام جاء بصيغة العموم وهو يصدق على ( طعمة ) كما ذكر في قصته وعلى قليل من الناس منهم بعض علماء اليهود في عصر النبي ( ص ) وإنما قلنا إنه يصدق على قليل من الناس لان أكثر الناس فطروا على ترجيح الهدى على الضلال والحق على الباطل والخير على الشر إذا تبين لهم ذلك وعرفوه وناهيك بمن دخل فيه وعمل به ورأى الفرق بينه وبين ما كان عليه هو وقومه ( كطعمة ) ولا يشترط في هذا الترجيح الفطري والعمل به أن يكون قد تبين بالبرهان اليقيني المنطقي الذي لا يقبل

--> ( 1 ) أوجز الأستاذ الامام في تفسير هذه الآيات وما بعدها وبعض ما قبلها لأنها كانت دروس آخر السنة ، بل آخر دروس التفسير كما سيأتي